قال الله تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون) [الأنعام: 38].
لتوضيح الآية لابد من أن نعرج على أقوال علماء اللغة وأئمة التفسير حول الآية.
معنى الأمة لغة : قال الرازي في مختار الصحاح: "والأمة الجماعة ". وفي لسان الميزان: "الأمة الجيل والجنس من كل حي ".
أقوال المفسرين والعلماء في معنى الآية :
قال الإمام القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرءان "إلا أمم أمثالكم "أي هم جماعات مثلكم، خلقهم الله وتكفل بأرزاقهم، وعدل عليهم، فلا ينبغي أن تظلموهم، ولا تجاوزوا فيهم ما أمرتم به". وقال الزجاج: "إلا أمم أمثالكم " قال: في الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص.
وقال مجاهد: أصناف لهن أسماء تعرف بها كما تعرفون.
"وقال الإمام جلال الدين السيوطي في تفسيره الدر المنثور في التفسير بالمأثور: "أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله عز وجل "إلا أمم أمثالكم "قال خلق مثلكم ".
وقال في تفسير الجلالين للإمام السيوطي "إلا أمم أمثالكم ": في تدبير خلقها ورزقها وأحوالهم".
وقال الإمام الطبري في هذه الآية في تفسيره جامع البيان عن تأويل القرءان: "جعلها أجناسا مجنسة، وأصنافا مصنفة، تعرف كما تعرفون وتتصرف فيما سخرت له كما تتصرفون، ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها، ومثبت كل ذلك من أعمالها في أم الكتاب ".
وقال الإمام ابن القيم "وقال الخطابي ما أحسن ما تأول سفيان ابن عيينة هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمة،وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعا لظاهره وجب المصير إلى باطنه، وقد أخبر الله عن وجود المماثلة بين الإنسان وبين كل طائر ودابة، وذلك ممتنع من جهة الخلقة والصورة ، وعدم من جهة النطق والمعرفة، فوجب أن يكون منصرفا إلى المماثلة في الطباع والأخلاق. ثم علق ابن القيم قائلا والله سبحانه قد جعل بعض الدواب كسوبا محتالا، وبعضها متوكلا غير محتال، وبعض الحشرات يدخر لنفسه قوت سنته، وبعضها يتكل على الثقة بأن له في كل يوم قدر كفايته رزقا مضمونا وأمر مقطوعا، وبعضها لا يعرف ولده البتة وبعض الإناث تكفل ولدها لا تعدوه ، وبعضها تضيع ولدها وتكفل ولد غيرها، وبعضها لا تعرف ولدها إذا استغنى عنها، وبعضها يدخر وبعضها لا تكسب له وبعض الذكور يعول ولده وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه. وجعل بعض الحيوانات يتمها من قبل أمهاتها وبعضها يتمها من قبل آبائها وبعضها لا يلتمس الولد،وبعضها يستفرغ الهم في طلبه، وبعضها يعرف الإحسان ويشكره وبعضها ليس ذلك عنده شيئا، وبعضها يؤثر على نفسه، وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمة من جنسه لم يدع أحدا يدنوا منه، وبعضها يألف بني آدم ويأنس بهم وبعضها يستوحش منهم وينفر غاية النفار منه، وبعضها لا يأكل إلا الطيب وبعضها لا يأكل ألا الخبائث،وبعضها يجمع بين الأمرين، وبعضها لا يؤذي إلا من بالغ في أذاها وبعضها يؤذي من لا يؤذيها، وبعضهم حقود لا ينسى الإساءة، وبعضها لا يذكرها البتة، وبعضها لا يغضب وبعضها يشتد غضبه فلا يزال يسترضى حتى يرضى، وبعضها عنده علم ومعرفة بأمور دقيقة لا يهتدي إليها أكثر الناس، وبعضها لا معرفة له بشيء من ذلك البتة، وبعضها يستقبح القبيح وينفر منه وبعضها الحسن والقبيح سواء عنده، وبعضها يقبل التعليم بسرعة وبعضها مع الطول وبعضها لا يقبل ذلك بحال"ا.ه كلام ابن القيم(شفاء العليل لابن القيم ص77).
خلاصة كلام المفسرين:
الطيور والدواب مثل بني البشر من حيث أن الله رزاقهم ومحييهم ومميتهم، ومن حيث الطباع والسلوك والأخلاق، فمن الطيور من خلقه السرقة ومنهم من طبعه الغدر، ومنهم الوفي ومنهم المسالم ومنهم الشرس،ومنهم الاستغلالي ومنهم الوفي لزوجته، ومنهم الخائن ومنهم.. الخ.
سبحان الخالق العظيم
تحويل كود إخفاء محول الأكواد الإبتسامات إخفاء